الصيام و فضائله


شرع الله الصيام، وجعله رابع أركان الإسلام، وجاءت النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة تبين أحكامه وتوضح معالمه بصورة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، وسنقف مع طرف مما يتعلق بالصيام في هذه الصفحات التالية:

تعريف الصيام في اللغة:

الصوم في اللغة يطلق على الكف عن الشيء، والامتناع والترك، ومنه قوله تعالى حكاية عن مريم:

إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِ([213]).

قال أهل اللغة([214]): صام صومًا وصيامًا: أمسك عن الطعام والشراب والنكاح، ومنه قيل للفرس: صائم لإمساكه عن العلف.

تعريف الصيام في الا صطلاح:

هوالإمساك بنية التعبد لله عن أشياء مخصوصة في زمن معين من شخص مخصوص بشروط خاصة.

يدل على ذلك قوله تعالى:

وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ([215]).

فالصوم لا يصح إلا بنية ومن طلوع الفجر إلى غروب الشمس بشروط خاصة لا يصح الصيام إلا بها.

مكانة الصيام في الإسلام:

1ـ الصيام أحد أركان الإسلام الخمسة، وهو من أفضل العبادات؛ لأن الله اختصه لنفسه، فقال في الحديث القدسي:"كل عمل ابن آدم له إلا الصوم؛ فإنه لي، وأنا أجزي به.."([216]).

2ـ الصوم سرٍّ بين العبد وخالقه، يتمثل فيه عنصر المراقبة الصادقة في ضمير المؤمن؛ إذ لا يمكن أن يتطرق له الرياء بحال؛ فهو يربي في المؤمن مراقبة الله وخشيته؛ وتلك غاية نبيلة وهدف سام تقصر دونه مطامع كثير من الناس([217]).

3ـ أنه يعود الأمة النظام والاتحاد وحب العدل والمساواة، ويكوّن في المؤمنين عاطفة الرحمة وخلق الإحسان، كما يصون المجتمع من الشرور والمفاسد.

4ـ أن الصيام يجعل المسلم يشعر ويحس بآلام أخيه، فيدفعه ذلك إلى البذل والإحسان إلى الفقراء والمساكين، فتتحقق بذلك المحبة والأخوة بين المسلمين.

5ـ الصيام تدريب عملي على ضبط النفس وتحمل المسؤولية وتحمل المشاق.

فضائل الصيام



نحمد الله أنه لا تخلو عبادة من العبادات التي يتعبد بها المسلم لربه سبحانه من فضائل؛ فللصلاة والزكاة فضائل، وكذا للحج، وكذلك الصوم.

فمن فضائل الصوم:

1ـ أنه وقاية للإنسان من الوقوع في الإثم، وأنه يجزى به الخيرالكثير، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم، مرتين. والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه من أجلي، الصيام لي، وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها"([218]).

2ـ أنه تكفير للذنوب والآثام: عن حذيفة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفرها الصلاة والصيام والصدقة" ([219]).

3ـ أنه خصه الله تعالى بباب لا يدخل منه أحد إلا الصائمون. عن سهل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"إن في الجنة باباً يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد"([220]).

دليل وجوب الصوم:

صيام رمضان أحد أركان الإسلام وفرض من أهم فرائض الله معلوم من الدين بالضرورة مجمع عليه بين المسلمين، وقد دل على فرضيته الكتاب والسنة والإجماع.

الكتاب: قال الله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ*أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ(

إلى قوله: )وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(([221]).

السنة:

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا"([222]).

الإجماع:

فقد أجمعت الأمة على أن الصيام ركن من أركان الإسلام، وأنه معلوم من الدين بالضرورة، بل وأجمعوا على أن من أنكر وجوبه كفر([223]).


موجبات الصوم



يجب صيام رمضان على كل مسلم بالغ عاقل مقيم قادر خال من الموانع.

فقولنا: (على كل مسلم) خرج منه الكافر، فلا يجب عليه الصوم، ولا يصح منه؛ لأنه ليس أهلاً للعبادة، ومتى أسلم لزمه الصيام من حين إسلامه ولا يقضي ما مضى.

وقولنا: (عاقل) خرج منه ضده، وهو فاقد العقل كالمجنون والمعتوه وكذا المهذري أي المخرف.

وقولنا: (بالغ) خرج منه الصغير الذي لم يبلغ، وذلك لرفع القلم عنه حتى يبلغ.

البلوغ

ويحصل البلوغ بواحدة من ثلاث:

  1ـ إنزال المني من احتلام أو غيره.

  2ـ نبات شعر العانة.

  3ـ بلوغ تمام خمسة عشر سنة([224]).

وقولنا: (مقيم) ضده المسافر، فلا يجب عليه الصوم، بل هو مخير بين الفطر والصيام، والأفضل له فعل الأيسرعليه.

وقولنا: (قادر) خرج به العاجز على الصيام لمرض أو كبر، فلا يجب عليه الصيام، بل يقضيه بعد رمضان، والكبير يطعم عن كل يوم مسكيناً.

وقولنا: (خال من الموانع) أي خالٍ من موانع الصوم: كالحيض والنفاس للمرأة([225]).

رؤية هلال رمضان وأحكامها:

- يثبت دخول شهر رمضان بأحد أمرين:

  الأول: رؤية هلاله.

  الثاني: إتمام شعبان ثلاثين يوماً.

- : بم تثبت الرؤية لهلال رمضان؟

تثبت رؤية هلال رمضان بشهادة عدل وخروجه بشهادة اثنين، ويشترط لقبول الشهادة بالرؤية أن يكون الشاهد بالغاً عاقلاً مسلماً موثوقاً بخبره لأمانته وبصره([226]).

- : صيام يوم الشك:

يوم الشك هو ليلة الثلاثين من شعبان إذا لم يُرَ فيها الهلال لغيم أو قتر أوغير ذلك.َ والصحيح من أقوال أهل العلم وجوب الفطر فيه حال الغيم والقتر لقوله صلى الله عليه وسلم:"فإن غم عليكم فاقدروا له"([227]) ولقوله صلى الله عليه وسلم : "فأكملوا شعبان ثلاثين"([228]).

الأعذار المبيحة للفطر:

1ـ السفر: قال الله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)([229]). فهذا نص صريح في إباحة الفطر للمسافر وأن عليه القضاء بقدر الأيام التي أفطرها.

2ـ العاجز عن الصيام عجزاً مستمراً لا يرجى زواله: لقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)([230]). وقوله تعالى: (لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا)([231]).

ولكنه متى أفطر وجب عليه أن يطعم عن كل يوم مسكيناً([232]).

3ـ المريض مرضاً برؤه: هذا رخص له الشارع الفطر، وأوجب عليه القضاء.

وهذا القسم له ثلاث حالات:

  الحالة الأولى: أن لا يشق عليه الصوم ولا يضره، فيجب عليه الصوم.

  الحالة الثانية: أن يشق عليه الصوم ولا يضره، فيفطر ولا ينبغي له الصوم، لأنه خروج عن رخصة الله تعالى وتعذيب لنفسه.

  الحالة الثالثة: أن يضره الصوم فيجب عليه الفطر، ولا يجوز له الصوم،

لقوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً)([233]).

4ـ الحائض والنفساء: يحرم على الحائض والنفساء الصوم، ولو صامتا لم يصح منهما، ويجب عليهما القضاء بعدد الأيام التي أفطرتا فيها([234]).

أما دليل عدم صيامها: حيث أبي سعيد الخدري رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؛ فذلك نقصان دينها"([235]).

أما دليل وجوب القضاء عليها: قوله تعالى: ( فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)([236]).

وحديث عائشة رضي الله عنها وفيه: "كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة"([237]).

5ـ الحامل والمرضع: ولهما ثلاث حالات:

  الحالة الأولى: إذا خافتا على نفسيهما وولديهما أفطرتا وقضتا، ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : "إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة والصوم، وعن الحبلى والمرضع الصوم"([238]).

  الحالة الثانية: إذا خافتا على ولديهما فقط لزمهما مع القضاء الكفارة على الصحيح من كلام أهل العلم.

  الحالة الثالثة: أن تخافا على نفسيهما فقط، فتقضيان فقط يعني لا زيادة على ذلك([239]).

مفسدات الصوم



يفسد الصوم بحصول أحد هذه المفسدات السبع:

1ـ الجماع.

2ـ إنزال المني.

3ـ الأكل والشرب عمداً.

4ـ ما كان بمعنى الأكل والشرب كحقن الدم بحيث يستغني عن الأكل والشرب، وكذا الإبرة المغذية.

5ـ القيء عمداً، أما إذا خرج القيء من غير اختياره فإنه لا يؤثرعلى صيامه.

6ـ الحجامه، وهي شرط الجلد المتصل قصداً لإخراج الدم من الجسد دون العروق.

7ـ خروج دم الحيض والنفاس([240]).

آداب الصيام



للصوم آداب واجبة ومستحبة([241]).

الآداب الواجبة هي:

1ـ أن يجتنب الصائم الكذب؛ لأنه محرم في كل وقت، وفي وقت الصيام أشد تحريماً.

2ـ أن يجتنب الصائم الغيبة.

3ـ اجتناب النميمة، وهي نقل الكلام من شخص لآخر. بغية حصول الإفساد بينهما؛ فهي من كبائر الذنوب.

4ـ اجتناب الغش في جميع المعاملات من بيع وإجارة وصناعة وغير ذلك.

5ـ اجتناب الصائم شهادة الزور؛ لأنها مما ينافي الصوم لقوله صلى الله عليه وسلم: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه([242]).

الآداب المستحبة للصائم:

1ـ السحور: يسن للصائم التسحر، لقوله صلى الله عليه وسلم :"تسحروا؛ فإن في السحور بركة"([243]).

2ـ تأخيره أي تأخير السحور؛ لأنه ثابت من فعله صلى الله عليه وسلم ؛ فعن زيد بن ثابت قال: "تسحرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم قام إلى الصلاة" قال أنس بن مالك لزيد: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال:"قدر خمسين آية"([244]).

3- تعجيل الفطر لقوله صلى الله عليه وسلم (( لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر))([245]).

4- حفظ اللسان عن فضول الكلام.

5- غض البصر عما حرم الله، لأن للعين صياماً كسائر الجوارح وصيامها غضها عن الحرام.

6- كثرة قراءة القرآن والذكر الدعاء والصلاة والصدقة([246]).

التراويح



صلاة التراويح سنة للرجال والنساء، تؤدى عقب صلاة العشاء، ويستمر وقتها إلى آخر الليل، وتصلى جماعة وفرادى، والجماعة أفضل.

ودليل فضلها قوله:"صلى الله عليه وسلم من قام رمضان إيمانََا واحتسابَا غفر له ما تقدم من ذنبه"([247]) .

أما عدد ركعاتها: أرجح الأقوال فيها أنها إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة مع طول القيام والركوع والسجود، دليل ذلك حديث عائشة رضي الله عنها حين سألت عن صلاة النبيr في رمضان، فقالت:" ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره عن إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً لا تَسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثاً"([248]) .

أما كونها ثلاث عشرة لما جاء عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم : "ثلاث عشرة ركعة يعني بالليل"([249]).

صوم التطوع



والمراد به الصوم المندوب، الذي وردت النصوص باستحبابه، وهو:

1ـ صيام ستة أيام من شوال، لقوله صلى الله عليه وسلم :"من صام رمضان، ثم أتبعه ستَا من شوال كان كصيام الدهر"([250]).

2ـ صيام يوم عرفة لغير الحاج، لقوله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم :"صيام يوم عرفة يكفر السنة الماضية والباقية"([251]).

3ـ صيام يوم عاشوراء مع يوم قبله أو يوم بعده لقوله صلى الله عليه وسلم في صيام يوم عاشوراء: "يكفر السنة الماضية"([252]).

4ـ صيام أيام البيض، وهي: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر، لقوله صلى الله عليه وسلم في فضلها: "صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر كله"([253]).

5ـ صوم يومي الإثنين والخميس، لقوله صلى الله عليه وسلم : "تعرض الأعمال يومي الإثنين والخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم"([254]).

6ـ الإكثار من الصيام في شهري شعبان والمحرم لقوله صلى الله عليه وسلم : "أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم ..."([255]) . ولقول عائشة رضي الله عنها: "لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصوم من شهر أكثر من شعبان..."([256]).

7ـ صيام يوم وإفطار يوم، لقوله صلى الله عليه وسلم :"أحب الصيام إلى الله صيام داود عليه السلام، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً"([257]).

الآثار المترتبة على صوم النافلة



من الآثار المترتبة على صوم النافلة:

1ـ أنه مما يتقرب به العبد لربه؛ لأن معاودة الصيام بعد رمضان علامة على قبول العمل إن شاء الله.

2ـ الصيام بعد رمضان علامة على شكر العبد لربه سبحانه وتعالى: لأن صيام رمضان إيماناً واحتساباً يوجب مغفرة الذنوب قبله، ولذا شرع الصيام بعده، شكراً لله على هذه النعمة.

3ـ صيام النافلة عهد من المسلم لربه بأن موسم الطاعة مستمر وأن الحياة كلها عبادة.

4ـ نافلة الصوم سبب في محبة الله لعبده وإجابة دعائه وتكفير سيئاته.

أسأل الله تعالى أن يضاعف لنا الأجر، وأن يرحمنا برحمته إنه سميع قريب مجيب.

الأستاذ الدكتور / عبد الله بن محمد بن أحمد الطيا